الشيخ محمد رشيد رضا

308

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القعود عنه ، وإن كان اللفظ عاما على سنة القرآن في الاتيان بالقواعد الكلية والمسائل العامة في سياق بيان بعض ما يدخل في ذلك العموم ثم ذكر الرازي في تفسير الشفاعة خمسة وجوه ( أولها ) أنها تحريض النبي ( ص ) إياهم على الجهاد لأنه بذلك يجعل نفسه شفعا لهم ، وذكر علة ثانية لتسمية التحريض شفاعة وهي ان التحريض على الشيء عبارة عن الامر به لا على سبيل التهديد بل على الرفق والتلطف وذلك يجري مجرى الشفاعة . وهذا التعليل أو التوجيه يؤيد الوجه الأول مما ذكر من وجوه الاتصال والمناسبة ويقربه ( ثانيها ) انها شفاعة المنافقين بعضهم لبعض في التخلف أو شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض في الإعانة ، وفاقا لما ذكره في الوجهين الثالث والرابع من وجوه الاتصال ( ثالثها ) قوله نقل الواحدي عن ابن عباس ( رض ) ما معناه ان الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه باللّه بقتال الكفار ( أي يضمه اليه ) والشفاعة السيئة ان يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم . أقول وكان ينبغي ان يقول بإعانة الكفار على قتال أهل الحق وخذلانهم ( رابعها ) قول مقاتل ان الشفاعة الحسنة الدعاء وان نصيب الشافع منها يؤخذ من حديث « من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به آمين ولك بمثله » رواه مسلم وأبو داود عن أبي الدرداء وأورده الرازي بالمعنى وذكر ان الشفاعة السيئة ما كان من تحريف اليهود للسلام على النبي ( ص ) بقولهم « السام عليكم » أي الموت . أقول والحديث في هذا معروف ولا يظهر فيه معنى الشفاعة البتة . ( خامسها ) قول الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد انها شفاعة الناس بعضهم لبعض فما يجوز في الدين ان يشفع فيه فهو شفاعة حسنة وما لا يجوز ان يشفع فيه فهو شفاعة سيئة . ثم جزم الرازي بأن هذه الشفاعة لا بد أن يكون لها تعلق بالجهاد فلا يجوز قصرها على الوجوه الثلاثة وانما يجوز أن تكون داخلة في معناها بطريق العموم ، الذي لا ينافيه خصوص السبب كما هو معلوم ، وقد انكر الأستاذ الامام على الجلال وغيره حمل الشفاعة على ما يكون بين الناس في شؤونهم الخاصة من المعايش وقال إن هذا التخصيص يذهب بما في الآية من القوة والحرارة ويخرجها من السياق ، والصواب انها أعم فالمقصود أولا وبالذات